الشيخ الطبرسي
153
تفسير مجمع البيان
يستهزءون ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ) معناه : ولقد أهلكنا يا أهل مكة ما حولكم ، وهم قوم هود ، وكانوا باليمن ، وقوم صالح بالحجر ، وقوم لوط على طريقهم إلى الشام ( وصرفنا الآيات ) تصريف الآيات : تصييرها تارة في الإعجاز ، وتارة في الإهلاك ، وتارة في التذكير بالنعم ، وتارة في التذكير بالنقم ، وتارة في وصف الأبرار ليقتدى بهم ، وتارة في وصف الفجار ليجتنب مثل فعلهم . ( لعلهم يرجعون ) أي لكي يرجعوا عن الكفر ( فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ) أي فهلا نصر هؤلاء المهلكين الذين اتخذوهم آلهة ، وزعموا أنهم يعبدونهم تقربا إلى الله تعالى ثم لم ينصروهم ، لأن هذا استفهام إنكار ( بل ضلوا عنهم ) أي ضلت الآلهة وقت الحاجة إليها ، فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم . ( وذلك إفكهم ) أي اتخاذهم الآلهة دون الله كذبهم وافتراؤهم ، وهو قوله : ( وما كانوا يفترون ) أي : يكذبون من أنها آلهة . ثم بين سبحانه أن في الجن مؤمنين وكافرين ، كما في الإنس ، فقال : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) معناه : واذكر يا محمد إذ وجهنا إليك جماعة من الجن ، تستمع القرآن . وقيل : معناه صرفناهم إليك عن بلادهم بالتوفيق والألطاف حتى أتوك . وقيل : صرفناهم إليك عن استراق السمع من السماء برجوم الشهب ، ولم يكونوا بعد عيسى قد صرفوا عنه ، فقالوا : ما هذا الذي حدث في السماء إلا من أجل شئ قد حدث في الأرض . فضربوا في الأرض حتى وقفوا على النبي ( ص ) ببطن نخلة ، عامدا إلى عكاظ ، وهو يصلي الفجر ، فاستمعوا القرآن ، ونظروا كيف يصلي ، عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير . وعلى هذا فيكون الرمي بالشهب لطفا للجن . ( فلما حضروه ) أي حضروا القرآن ، أو النبي ( ص ) . ( قالوا أنصتوا ) أي قال بعضهم لبعض : اسكتوا لنستمع إلى قراءته ، فلا يحول بيننا وبين القرآن ( 1 ) شئ . ( فلما قضي ) أي فرغ من تلاوته ( ولوا إلى قومهم ) أي انصرفوا إلى قومهم ( منذرين ) أي محذرين إياهم عذاب الله إن لم يؤمنوا ( قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ) يعنون القرآن ( مصدقا لما بين يديه ) أي لما تقدمه من الكتب
--> ( 1 ) وفي نسختين : " الاستماع " بدل " القرآن " .